مقاربة رمزية في المشهد الجنوبي مع أسطورة جسّاس
(سلام المغلوب لا يصنع دولة)
في التاريخ العربي، لا تُقرأ الحكايات الكبرى بوصفها سردًا ماضيًا منتهيًا، بل باعتبارها مرايا تُعاد فيها إنتاج الوقائع بأسماء وأدوات مختلفة. ومن بين تلك الحكايات، تبرز قصة سلام جسّاس بعد تجريده من خيول الحرب بوصفها نموذجًا رمزيًا مكثفًا لفهم طبيعة «السلام المفروض» حين يُنتزع من أحد الأطراف عنصر القوة قبل أن يُدعى إلى التفاوض.
لم يكن سلام جسّاس سلامًا قائمًا على الندية أو التسوية العادلة، بل كان سلام القهر بعد كسر الشوكة. فحين تُسحب خيول الحرب، لا يعود السلام خيارًا، بل يتحول إلى إملاء. وهنا يكمن جوهر الإشكال: السلام الذي يُفرض على طرفٍ أعزل لا يُنهي الصراع، بل يُجمّده، ويؤجل انفجاره، ويحوّله إلى جرح مفتوح تحت الجلد.
من الرمز إلى الواقع
إذا ما انتقلنا من الرمز إلى الواقع، فإن المشهد الجنوبي اليوم يعيد إنتاج الفكرة ذاتها، وإن اختلفت اللغة وتبدلت العناوين. فما يُطرح تحت مسميات «الاستقرار»، و«تنظيم الوضع الأمني»، و«إعادة الهيكلة»، ينتهي عمليًا إلى مسار واحد: نزع أدوات القوة الجنوبية، تمهيدًا للهيمنة على القرار الوطني الجنوبي.
ليس في ذلك عداء للسلام بوصفه قيمة، ولا رفضًا للتسويات السياسية من حيث المبدأ، لكن الإشكال الجوهري يكمن في طبيعة السلام المعروض: هل هو سلام شراكة واعتراف، أم سلام إخضاع ووصاية؟
كما جُرِّد جسّاس من خيوله قبل أن يُطلب منه السلام، يُراد اليوم للجنوب أن يُجرّد من أذرعه المسلحة، ومن عناصر ردعه الذاتي، ثم يُطلب منه القبول بترتيبات سياسية تُدار من خارج إرادته، وبما يتناقض مع تطلعاته وحقوقه الوطنية.
السلام بلا توازن قوة
التاريخ، بكل تجاربه، يعلّمنا حقيقة لا تقبل الالتفاف: لا سلام مستدامًا بلا توازن قوة. فحين يختل الميزان، يتحول السلام إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة، لا إلى مدخل لبناء دولة أو شراكة حقيقية.
نزع السلاح من طرف واحد، في سياق صراع سياسي مفتوح، لا يعني تهدئة، بل يعني تحييد الإرادة، وتجفيف القدرة على الدفاع عن القرار، وتحويل القضية من مسألة حقوق إلى ملف إدارة أمنية.
وهنا تحديدًا يتقاطع الرمز مع الواقع: سلام جسّاس لم يكن نهاية للصراع، بل كان اعترافًا مؤقتًا بهزيمة مفروضة، سرعان ما أثبت التاريخ هشاشتها. وكذلك فإن أي ترتيب يُفرض على الجنوب بعد تجريده من عناصر قوته، سيبقى ترتيبًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
الدرس السياسي الغائب
الجنوب، كغيره من الشعوب، لا يطلب سلامًا يُنتج الخضوع، ولا شراكة تُفرغ من مضمونها. ما يطلبه هو سلام عادل، قائم على الاعتراف، وعلى ضمانات حقيقية، وعلى احترام إرادة شعب دفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن قضيته.
أما تحويل السلام إلى عملية تقنية تُدار من الخارج، بعد نزع السلاح وتحييد القوة، فهو إعادة إنتاج لنموذج فاشل جرّبته المنطقة مرارًا، وكانت نتائجه دائمًا واحدة: صراعات مؤجلة، وانفجارات أعنف، وغياب دائم للاستقرار الحقيقي.
خاتمة
سلام المغلوب لا يصنع دولة، ولا يبني استقرارًا، ولا يؤسس لشراكة قابلة للحياة. إنه سلام يولد مكسورًا، محمّلًا بعوامل فنائه منذ لحظته الأولى.
ومن لا يقرأ دروس التاريخ، سيجد نفسه يعيد تمثيل مآسيه، مرة بعد أخرى، بأسماء جديدة، لكن بالنتائج ذاتها.
هذا المقال يعكس قراءة تحليلية رمزية للواقع السياسي، وينطلق من فهم تاريخي–سياسي لطبيعة الصراعات وتسويات القوة في المنطقة.