محمود الصبيحي.. صوت الدولة في زمن الفوضى
في زمنٍ تكاثرت فيه الأصوات، واختلطت فيه المشاريع، وتمدّدت فيه مراكز النفوذ على حساب الوطن، يصبح من النادر أن تلتقي بشخصية ما تزال تقرأ المشهد بعقل الدولة لا بعقل الجماعة، وبمنطق المؤسسة لا بمنطق المزاج السياسي والعسكري.
ومن بين هذه الشخصيات، يبرز الفريق الركن محمود الصبيحي بوصفه أحد الأصوات القليلة التي تتحدث بوضوح وصدق ومسؤولية.
فالرجل لا يقرأ الواقع بعاطفة اللحظة، ولا بمنطق الحشد، بل بعين رجل دولة يعرف أن أصل المأساة لم يكن فقط في الحرب، بل في سقوط الدولة نفسها.
حين سقطت الدولة، لم يسقط معها النظام فقط، بل سقط القانون، واهتزت هيبة المؤسسة، وضاعت الحقوق، وتبعثرت السلطة، وفتح الفراغ أبوابه أمام النفوذ القبلي والعسكري والمناطقي، حتى تحولت حياة الناس إلى رهينة للفوضى وتعدد مراكز القرار.
وهنا تكمن أهمية ما يطرحه الصبيحي:
أن القضايا الوطنية لا تُحل بالضجيج، ولا بتعدد الرؤوس، ولا بفوضى السلاح، بل بدولة حقيقية تقوم على قرار واحد، وجيش واحد، ومؤسسات واحدة، وسلطة تستند إلى قانون ودستور وشرعية واضحة.
لقد أثبتت التجربة أن غياب الدولة لم يصنع شراكة، بل صنع شللًا.
ولم يحقق حماية للناس، بل عمّق معاناتهم، وأنتج واقعًا مرتبكًا تتصارع فيه القوى بينما يدفع المواطن الثمن من أمنه وخدماته وحقوقه ومستقبله.
من هنا، تبدو رؤية محمود الصبيحي أكثر واقعية من كثير من الخطابات التي تحاول القفز إلى العناوين الكبرى دون بناء الأرض الصلبة أولًا.
فحتى القضايا المصيرية، كمسألة الانفصال أو شكل العلاقة السياسية المستقبلية، لا يمكن أن تُدار بعقل الفوضى، بل تحتاج أولًا إلى استعادة الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد، وبناء مؤسسات محترمة وهوية سياسية معترف بها.
قد نختلف اليوم حول السقف النهائي، لكننا أقرب إلى الاتفاق على أن الحكم الذاتي المنظم أو الإدارة اللامركزية الواسعة ضمن إطار مستقر، هو مسار أكثر عقلانية من استمرار العبث الحالي.
فالحقوق لا تُنتزع من الفوضى، بل تُبنى من داخل دولة قادرة على حماية تلك الحقوق وصونها.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على الشعارات، ولا على صناعة الزعامات، بل على استعادة البوصلة. وبوصلة الخلاص هنا واضحة: الدولة أولًا.
لهذا، فإن ما يمثله محمود الصبيحي ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبير عن حاجة وطنية ملحّة إلى خطاب يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إنهاء الفوضى، وضبط القوة، وحماية الحقوق، وفتح الطريق نحو أي مستقبل عادل ومستقر.
فلا خلاص خارج الدولة، ولا طريق للحقوق من بوابة الفوضى.