عندما تشكل المجلس الانتقالي استقبله كثير من الجنوبيين باعتباره رافعة سياسية للقضية الجنوبية، وإطاراً قادراً على توحيد الجهود وحمل تطلعات أبناء الجنوب نحو مشروع سياسي واضح المعالم. كان الأمل أن يتحول إلى منصة للتوافق الجنوبي وبناء رؤية استراتيجية تنقل القضية من دائرة الصراع إلى دائرة الحل السياسي.
غير أن ما حدث خلال السنوات الماضية يدفع إلى طرح أسئلة صعبة حول المسار الذي اتخذه هذا المشروع. فبدلاً من أن يكون المجلس حاضنة لكل المكونات الجنوبية، أصبح جزءاً من شبكة من الصراعات الداخلية والتجاذبات الإقليمية التي أضعفت حضوره وأبعدته عن المهمة الأساسية التي تأسس من أجلها.
وتأتي أزمة حضرموت اليوم لتكشف حجم هذا الخلل. فالمحافظة التي تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لا يمكن التعامل معها بعقلية الهيمنة أو فرض الأمر الواقع، بل تحتاج إلى مشروع شراكة حقيقي يستوعب خصوصيتها ويكسب ثقة أبنائها. غير أن ما نشهده اليوم هو اتساع دائرة الخلافات وتراجع مساحة التوافق.
وفي خضم هذه الأحداث برزت تساؤلات واسعة حول غياب عيدروس الزبيدي عن المشهد في مرحلة دقيقة تمر بها القضية الجنوبية. وبين حديث عن زيارات واتصالات وتحركات سياسية، يبقى الشارع منشغلاً بالسؤال عن مكان القائد، بينما كان يفترض أن يكون النقاش منصباً على مستقبل القضية ومشروعها السياسي.
لكن الأخطر من ذلك أن حالة الانشغال لم تقتصر على الأشخاص، بل امتدت إلى معارك جانبية لا علاقة لها بجوهر القضية. ولعل أبرزها الصراع حول الصور والشعارات المعلقة في الشوارع والمؤسسات والساحات العامة. فأصبحت معركة بقاء صورة هذا الزعيم أو إزالة صورة ذاك تحتل مساحة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، بينما تراجعت الأسئلة الحقيقية المتعلقة بمستقبل الجنوب وشكل الدولة وآليات بناء المؤسسات وتحسين حياة المواطنين.
لقد تحولت الصور في كثير من الأحيان إلى بديل عن المشروع، والرموز إلى بديل عن البرامج، وأصبح الجدل حول المظاهر أكثر حضوراً من النقاش حول المضمون. والحقيقة أن أي قضية عادلة لا يمكن أن تنتصر بالصور وحدها، ولا بالشعارات مهما كانت جاذبيتها، وإنما تنتصر بوضوح الرؤية وقوة المشروع وقدرته على استيعاب الجميع.
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس أين توجد الصور، ولا أين يوجد القائد، بل أين يوجد المشروع السياسي الذي يجمع الجنوبيين ويوحد صفوفهم ويمنحهم أملاً حقيقياً بالمستقبل؟ فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُبنى على الأشخاص مهما كانت مكانتهم، ولا على الرموز مهما كانت شعبيتها، بل على المؤسسات والشراكات والتوافقات الوطنية القادرة على الصمود أمام المتغيرات.
لقد انتقلنا للأسف من البحث عن حلول للقضية إلى البحث عن القائد، ومن مناقشة المشروع الوطني إلى الصراع على الصور. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن الأمم التي تنشغل بالرموز وتنسى المشاريع، وبالأشخاص وتغفل المؤسسات، تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام سؤال مؤلم: أين ضاعت القضية؟