حقائق وأساطير في حياة بوشكين.. بين القمار والنساء والأصول الإفريقية
🔸ألكسندر بوشكين Sputnik🔸
صوت عدن | ثقافة وفن:
تُحيط بحياة ألكسندر بوشكين أساطير تداخلت فيها الحقائق بالخرافات، من مغامرات القمار وديونه الهائلة، وصولا إلى أصوله الإفريقية وقصص نجاته الغريبة.
1. حقيقة التهديد بالحرمان من الميراث
تداولت الأوساط قصصا كثيرة عن إدمان بوشكين للقمار، وهي قصص يستند معظمها إلى واقع حقيقي. فرغم ثرائه بمقاييس عصره، أثّر ولعه بألعاب الورق بشكل مباشر في وضعه المالي، حيث كان يغامر بثروته باستمرار. وفي إحدى المرات، كاد أن يخسر جزءا غير منشور من روايته "يوجين أونيجين" في لعبة قمار، لكنه استعاده في اللحظة الأخيرة. وقد وصفت "آنا كيرن"، إحدى المقربات منه، هذا الشغف بقولها إن بوشكين كان يرى في ورق اللعب "تعلقه الحقيقي الوحيد".
أدى هذا السلوك إلى توتر علاقته بوالده الذي لم يكن راضيا عن تبديده لأمواله، وانتشرت شائعات حينها بأن الوالد ينوي حرمانه من الميراث. ومع ذلك، لا توجد وثائق تؤكد اتخاذ خطوة بهذا الحجم، خاصة وأن الحرمان من الميراث كان سيؤثر سلبا في سمعة العائلة بأكملها، ولم تكن الديون مهما بلغت مبررا كافيا لهذا الإجراء الجذري.
أما فيما يخص ديونه، فقد تبين بعد وفاته في مبارزة أنها بلغت نحو 150 ألف روبل (ما يعادل 240 مليون روبل حاليا). والمفارقة هنا أن والده لم يكن هو من سددها، بل تولى الإمبراطور نيقولاي الأول تسويتها بالكامل من خزينة الدولة، إضافة إلى تقديم الدعم المالي لعائلة الشاعر الراحل.
2. قائمة الـ"دون جوان" وحقيقة علاقات بوشكين النسائية
لم تكن "قائمة دون جوان" المنسوبة لبوشكين مجرد شائعة، بل هي وثيقة تاريخية نُشرت عام 1887 ضمن "ألبوم معرض بوشكين". ففي عام 1829، بدأ الشاعر بتدوين أسماء النساء اللواتي جذبتهن مشاعره أو جمعته بهن علاقات في قائمتين متوازيتين شملتا 37 اسما. ويرى المؤرخون أن القائمة الأولى خُصصت لمن أحبهن بعمق، بينما ضمت الثانية أسماء من أثاروا إعجابه العابر.
وقد بذل الباحثون جهودا لتحديد هوية هؤلاء السيدات، رغم صعوبة الجزم ببعض الأسماء. ومن أبرز الشخصيات التي وردت في سياق حياته: "إيكاترينا كارامزينا" زوجة المؤرخ الشهير نيكولاي كارامزين، و"آنا بتروفنا كيرن" التي استلهم منها قصيدته الشهيرة "أتذكر تلك اللحظة الرائعة". كما شملت القائمة تنوعا اجتماعيا لافتا، من ممثلة في مسرح "تسارسكويه سيلو" ووصيفة للإمبراطورة، وصولا إلى ابنة دوق فرنسي وابنة مصرفي نمساوي، وزوجة حاكم أوديسا، ما يعكس اتساع دائرة معارفه وتعدد علاقاته في الأوساط المخملية.
3. "بوشكين هو دوما": بين المزاعم والحقائق
تعد النظرية التي تدعي أن بوشكين زوّر وثيقة وفاته لينتقل إلى فرنسا ويكتب باسم "ألكسندر دوما" من أكثر الأساطير غرابة. ويروج مؤيدو هذا الطرح لدوافع محتملة خلف هذا التحول، منها الهروب من ديون القمار المتراكمة، أو وجود اتفاق سري مع الإمبراطور نيقولاي الأول يقضي بعمل بوشكين "جاسوسا" في فرنسا مقابل سداد ديونه وتأمين عائلته.
ويرتكز أصحاب هذه الفرضية على مؤهلات بوشكين التي كانت تسمح له بلعب هذا الدور، كإتقانه للغة الفرنسية وإلمامه ببروتوكولات الطبقات العليا. ومع ذلك، تصطدم هذه النظرية بحقائق تاريخية دامغة؛ فألكسندر دوما كان كاتبا معروفا بالفعل في الثلاثينيات، وعُرضت مسرحياته في المسارح الروسية في تلك الفترة. كما أن دوما شارك في ثورة يوليو عام 1830 بفرنسا، بينما كان بوشكين في روسيا يستعد لزفافه من ناتاليا جونشاروفا.
علاوة على ذلك، تبدو فكرة تزوير الوفاة غير منطقية من الناحية العملية؛ فقد زار بوشكين عقب المبارزة عددٌ كبير من الأصدقاء والأقارب، وأشرف على حالته ثمانية أطباء في أيامه الأخيرة، مما يجعل فرضية تواطؤ كل هؤلاء الشهود على إخفاء الحقيقة أمرا بعيد الاحتمال.
4. بوشكين ذو أصول إفريقية
تستند مقولة "بوشكين إفريقي" إلى حقائق تاريخية جزئية تتعلق بجذوره العائلية؛ فجده الأكبر (والد جده) "أبرام بتروفيتش جانيبال" وُلد في القارة الإفريقية (وتتضارب الروايات بين الكاميرون وإثيوبيا الحالية). وقد أُسر في بدايات القرن الثامن عشر، ثم نُقل إلى موسكو حيث عُمّد وكان القيصر بطرس الأكبر عرّابه. تدرج جانيبال في المناصب حتى أصبح كبير المهندسين العسكريين في الجيش الروسي، وأنجب "أوسيب جانيبال" جد الشاعر من جهة الأم.
ورغم فخر بوشكين بهذه الأصول واستلهامه إياها في بعض أعماله، إلا أن التحليل العرقي لشجرة عائلته يظهر أنه كان "ثُمن إفريقي" و"ثُمن ألماني"، بينما كانت النسبة المتبقية روسية خالصة. ومع وجود شكوك لدى البعض حول هذه الرواية، تقطع الوثائق التاريخية التي تثبت وجود "أبرام جانيبال" ومكانته في البلاط الروسي الشك باليقين حول الأصول الإفريقية الجزئية للشاعر.
5. أسطورة الأرنب الذي "أنقذ" بوشكين
تتحدث إحدى الروايات الشهيرة عن "أرنب" حال دون وصول بوشكين إلى بطرسبورج. وتقول الأسطورة إن عبور الأرنب أمام عربته اعتبره الشاعر نذير شؤم، فعاد أدراجه، ما أنقذه من المشاركة في "انتفاضة الديسمبريين" عام 1825، والتي انتهت بنفي المشاركين إلى سيبيريا أو إعدامهم. ورغم أن بوشكين لم يكن عضوا في الحركة، إلا أن قصائده الداعية للحرية ووجوده في العاصمة وقت الانتفاضة كانا كفيلين بتعريض حياته للخطر.
ومع ذلك، تشير الحقائق التاريخية إلى رواية أكثر تعقيدا؛ فقد ذكر صديقه "سيرجي سوبوليفسكي" أن الأرنب اعترض طريق بوشكين وهو ذاهب لوداع جيرانه وليس في طريقه للعاصمة. كما يُعتقد أن السبب الحقيقي لتراجعه كان رؤيته لـ "كاهن" عند بوابات القصر، وهو أمر كان يُصنف في القرن التاسع عشر كفأل سيء يفوق في تأثيره عبور الأرنب.
ورغم هذه التباينات، نال الأرنب مكانة رمزية في التراث الروسي، حيث أُقيم له نصب تذكاري عام 2000 بالقرب من "ميخائيلوفسكوي" بصفته "منقذ الشاعر". لكن هذه النجاة المفترضة لم تطل كثيرا، إذ انتهت حياة بوشكين في السابعة والثلاثين إثر مبارزته الشهيرة.
المصدر: Gateway to Russia
