ارتفاع فاقد الكتلة النقدية من الريال اليمني إلى أكثر من 90%
صوت عدن | العربي الجديد:
وصل الفاقد والخارج من حجم الكتلة النقدية من الريال اليمني، الخاضع لسيطرة البنك المركزي في عدن، إلى ما يقارب 90% من العملة المصدرة والموزعة في السوق، وسط تحذيرات من توسّع الاختلالات المالية والنقدية، وتفاقم أزمة السيولة، وتبعات خروج هذه الكتلة النقدية عن السيطرة. ووصف خبراء ماليون ومصرفيون ذلك بالثقب الذي تضيع فيه العملة المحلية، وهو ما يتطلب بشكل عاجل تدخلات وقرارات صارمة من قبل البنك المركزي اليمني، بحسب الخبير المالي والمصرفي وليد العطاس، الذي كشف لـ"العربي الجديد" عن خروج هذه الكتلة من السيولة عن السيطرة، بعد قيامه ببحث معمق للسوق النقدية.
غير أنه حتى اللحظة لم يقم البنك المركزي في عدن بأي إجراء لوقف النزيف في العملة، إذ أبدى العطاس، وهو أستاذ العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت، استغرابه من شح السيولة التي يراها موضوعاً محيراً وغريباً في الوقت نفسه، إذ كانت الشكوى قبل فترة من وجود شح بالعملات الأجنبية في السوق، لتتحول فجأة إلى شح في السيولة من العملة المحلية في السوق. وكل ذلك مع استمرار تأخر صرف رواتب موظفي الدولة دون وجود أي تحسن يذكر، مع ضرورة النظر لموظفي القطاع الخاص الذين يعانون أيضاً من الوضع الحالي.
فشل خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية
وأكد الخبير المالي والمصرفي لـ"العربي الجديد" فشل خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي أقرها مجلس القيادة الرئاسية نهاية عام 2025. فقد مرت الأيام وأثبتت عدم نجاح الخطة، بل أصبح المواطن يتذمر منها رغم فرحته وقتها باعتبارها بصيص أمل للخروج من الوضع المعيشي السيئ الذي أنهكه. والسبب من وجهة نظره، وجود بعض النواقص التي كان لا بد من تضمينها للقرار كإجراءات ضرورية لنجاح الخطة، مشيراً إلى تسارع الأحداث الاقتصادية والمصرفية دون جدوى يفاقمها شح العملة المحلية، في مشهد يعكسه المثل القائل: "نسمع جعجعةً ولا نرى طحيناً".
وانتقد العطاس الطريقة التي جرى اتباعها في تحسين سعر صرف الريال اليمني وارتفاعه مقابل العملات الأجنبية، حيث شهد أكثر من عملية لتثبيت سعر محسن للصرف، دون وجود أي مبرر اقتصادي لهذه الارتفاعات في سعر صرف العملة المحلية، ولكنه عبارة عن قرار سياسي، بعد أن كان سعر الصرف حقيقياً، حيث أصبح بعد ذلك سعر الصرف وهمياً مثل ما هو حاصل في مناطق سيطرة الحوثيين.
وشهد سعر صرف الريال اليمني تحسناً كبيراً في عدن ومناطق الحكومة المعترف بها دولياً منذ منتصف العام الماضي 2025، حيث وصل سعر الصرف إلى 1620 ريالاً للدولار الواحد ونحو 425 مقابل الريال السعودي، في أول مرحلة من تحسن العملة وتثبيت سعر الصرف عند هذا المستوى، قبل أن يشهد مرحلتين غير معلنة من التثبيت عند 1600 ريال للدولار ونحو 420 مقابل الريال السعودي، قبل الاستقرار منذ فبراير/ شباط الماضي على 1595 ريالاً للدولار و410 مقابل الريال السعودي، في حين، تزامن ذلك منذ مارس/ آذار، مع تفاقم أكبر أزمة سيولة من العملة المحلية تشهدها اليمن.
وأشار العطاس إلى عدم وجود نسبة وتناسب بين سعر الصرف وأسعار السلع والخدمات، بل أصبح التاجر يزيد أسعار بضاعته بشكل مستمر، حتى إن بعضهم يسعّر بضاعته على سعر صرف مرتفع لا يتناسب مع سعر الصرف في السوق دون أي تدخل من قبل الأجهزة الرقابية، وكأن الأمر لا يعنيها، وعلى المواطن التعايش والتأقلم مع الوضع فقط.
ودعا إلى تفعيل دور جميع الأجهزة الرقابية لتعمل جنباً إلى جنب مع البنك المركزي ووزارة المالية لمحاولة معالجة السياسة النقدية والسياسة المالية لتصبح أكثر فاعلية، إلى جانب ما ستفرزه القرارات الأخيرة من تبعات، مثل ارتفاع الدولار الجمركي بما يعادل 100% تقريباً، والذي سيفاقم الوضع سوءاً على الرغم من الزيادة في الرواتب التي أعلنتها الحكومة بنسبة 20% مع إطلاق التسويات لموظفي الدولة، حيث إنها تمثل جزءاً بسيطاً لا يتناسب مع أسعار السلع والخدمات في السوق. فقد كان على الحكومة دراسة الأسعار ومشكلة السيولة والأزمة المالية، وخروج الإيرادات والكتلة النقدية عن السيطرة، والوضع الاقتصادي في البلاد قبل اتخاذ مثل هذه القرارات المفاجئة التي لاقت ردة فعل سلبية من الجميع.
سلوك الأسواق سبب أزمة الريال اليمني
بالمقابل، فسّر خبراء اقتصاد هذه المشكلة في السيولة وخروج الكتلة النقدية عن السيطرة، بوصفها أزمة سلوك سوقي وليست أزمة ندرة أو تلاش في الكتلة النقدية، فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن كميات كبيرة من الريال اليمني لا تزال موجودة في خزائن البنوك وشركات الصرافة. وأوضح الخبير الاقتصادي هيثم جواس، وهو أستاذ المالية والمصارف والاقتصاد المؤسسي بجامعة عدن، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن هذه التوقعات تخلق حافزاً اقتصادياً واضحاً للاحتفاظ بالسيولة المحلية؛ فالمؤسسات التي ترجّح ارتفاع قيمة العملة تميل إلى تأجيل ضخ النقد، أملاً في إعادة توظيفه لاحقاً بهوامش ربح أكبر، سواء عبر اتساع الفجوة بين سعري البيع والشراء أو عبر الاستفادة من تحسن القوة الشرائية للريال.
ومع اتساع هذه السياسة المتبعة، حتى لو مارسها عدد محدود من اللاعبين الكبار؛ تتولد في السوق حالة ندرة مصطنعة ترفع تكلفة النقد وتبطئ الدورة الاقتصادية، فيما يبدو في الوقت نفسه ضياع كتلة كبيرة وخروجها عن السيطرة، مشدداً على ضرورة التدخل الفاعل لتعزيز شفافية الإفصاح عن مراكز السيولة، وتطوير أدوات رقابية قادرة على رصد أعمال وممارسات الاحتجاز غير المبرر لها، وخلق حوافز تشجع البنوك وشركات الصرافة على إعادة تدوير النقد في الاقتصاد الحقيقي.
ورجح جواس أن أزمة السيولة الراهنة ليست أزمة كمية بحتة، بل أزمة حوافز وثقة وتوزيع. وإذا ثبت أن جزءاً معتبراً من الريال اليمني محتجز بدافع المضاربة على تحسن مستقبلي في قيمته، فإن كسر ذلك يجري عبر الشفافية والرقابة والحوافز الذكية، باعتبارها شروطاً أساسية لاستعادة الكتلة النقدية والتحكم بها، وانسياب النقد وتعافي النشاط الاقتصادي.
