بعد 90 عاما على رحيل مكسيم جوركي.. كيف حاول ستالين كسبه واستغلال نفوذه؟
🔸الكاتب السوفيتي الروسي مكسيم جوركي فوق سطح مبنى هيئة تحرير صحيفة إزفيستيا. عام 1928/ ريا نوفوستي
صوت عدن | ثقافة وفن:
في الثامن عشر من يونيو 1936، رحل مكسيم جوركي في منزله الريفي بضاحية جوركي-10 قرب موسكو، بعد أن تحول إلى أحد أبرز رموز الأدب الروسي في القرن العشرين.
وبعد مرور تسعين عاما على وفاته، لا تزال سيرته تثير أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، ليس فقط بسبب مكانته الأدبية، بل أيضا بسبب علاقته المعقدة مع السلطة السوفيتية، ولا سيما مع ستالين.
يصعب اختزال جوركي في صفة "الكاتب البروليتاري" التي التصقت باسمه لعقود. صحيح أنه خرج من بيئة فقيرة وعاش طفولة قاسية، لكن أعماله تجاوزت حدود الأدب الاجتماعي، فكتب عن الحب، وعن النفس البشرية، وعن الطبقات الثرية والتجار، كما كتب عن المهمشين. أما حياته الشخصية فكانت قصة صعود استثنائية؛ إذ انتقل من طفل بلا مأوى تقريبا إلى واحد من أشهر الكتاب في العالم، يحمل اسمه مسارح ومدن وسفن، ويجلس إلى جانب قادة الدول الكبرى.
حظي جوركي بمكانة لم يبلغها سوى قلة من الأدباء الروس. فقد احترمه لينين، ونسج علاقة معقدة مع ستالين، بينما عرفه العالم الغربي بوصفه أحد أهم وجوه الثقافة الروسية. وبعد وفاته تحول إلى رمز رسمي للدولة السوفيتية، لكن هذه المكانة أسهمت أيضا في حجب صورته الحقيقية خلف الدعاية السياسية.
شهد جوركي انهيار الإمبراطورية الروسية، والثورات الثلاث، والحرب الأهلية، وقيام الاتحاد السوفيتي. وكان شاهدا ومشاركا في واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في التاريخ الروسي، الأمر الذي جعل حياته تتقاطع باستمرار مع السياسة.
على خلاف لينين، الذي انصرف بعد الثورة إلى إدارة الدولة، كان ستالين قارئا نهما للأدب، يتابع أعمال الكتاب بنفسه ويعلق عليها، ويولي الثقافة أهمية استثنائية باعتبارها إحدى أدوات بناء الدولة الجديدة. لذلك عمل على إنشاء المؤسسات الثقافية ورعاية الأدباء الموالين، لكنه في الوقت نفسه لم يتردد في معاقبة من اعتبرهم خصوما، فارتفعت أسماء بعضهم، بينما أُعدم آخرون أو أُبعدوا عن الحياة الأدبية.
غير أن جوركي لم يكن يشبه أيا منهم. فقد كان يتمتع بشهرة عالمية وسلطة أدبية جعلت التعامل معه مختلفا. لم يكن من السهل إجباره على كتابة ما لا يريد، ولم يكن ممكنا إسكات صوته ببساطة، لكن كان بالإمكان الاستفادة من مكانته، وهو ما أدركه ستالين مبكرا.
ابتداء من منتصف عشرينيات القرن الماضي، بدأ الزعيم السوفيتي يدعو جوركي، الذي كان يقيم في إيطاليا، إلى العودة إلى وطنه. ويرى بعض الباحثين أن ستالين احتاج إلى الكاتب لتعزيز صورته أمام العالم، بينما يعتقد آخرون أنه أراد الاستفادة من مكانته داخل الاتحاد السوفيتي لترسيخ سلطته في مرحلة كانت تشهد صراعا داخل قيادة الحزب.
وربما اجتمع السببان معا. فقد كان جوركي صديقا للينين وصاحب مكانة أخلاقية لا ينافسه فيها أحد، وكان حضوره إلى جانب السلطة الجديدة يمنحها شرعية ثقافية وسياسية في الداخل والخارج. كما كان مرشحا طبيعيا لقيادة الوسط الأدبي وتنظيم اتحاد الكتّاب الذي أراده ستالين أداة لتوجيه الحياة الثقافية.
لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة تبعية. فقد احتفظ جوركي بمسافة بينه وبين السلطة، واعترض في أكثر من مناسبة على ما اعتبره تجاوزات، ويشير بعض الباحثين إلى أنه مارس دورا كابحا لبعض سياسات ستالين في بداياتها. والأهم أنه رفض أن يتحول إلى كاتب يمجد الزعيم السوفيتي، رغم المحاولات المتكررة لاستمالته.
وتروي إحدى الحكايات المتداولة أن ستالين خاطبه يوما قائلا: "لقد كتبت رواية الأم، فلماذا لا تكتب رواية بعنوان الأب؟". لكن المشروع لم يرَ النور أبدا. ففي النهاية، لم يكتب جوركي كتابا أو مقالا يمجد ستالين أو حتى تأبينا له كما تمنى الزعيم السوفييتي، رغم كل ما أحاط به من ضغوط ورعاية رسمية.

في المقابل، نجح ستالين في إشراك الكاتب في عدد من الحملات الدعائية، أبرزها زيارته لمعسكر سولوفيتسكي عام 1929، الذي كان يُقدم آنذاك بوصفه نموذجا للإصلاح، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أشهر رموز منظومة الجولاج. ويعتقد كثير من المؤرخين أن جوركي لم يدرك آنذاك الصورة الكاملة لما كان يحدث داخل البلاد، شأنه في ذلك شأن ملايين السوفييت.
وعموما، كانت العودة إلى الوطن عام 1928 بداية الفصل الأخير من حياته، فعلى الرغم من أنه استُقبل استقبال الأبطال، واحتشدت الجماهير لتحيته، لكن السنوات التالية حملت كثيرا من الغموض. فقد وجد نفسه قريبا من مركز السلطة، وفي الوقت نفسه محاطا بأسئلة لم تتوقف حتى بعد وفاته.

جوركي في الظلام: أسرار النساء والسياسة في حياة طائر الثورة
عاش الكاتب الروسي مكسيم جوركي حياة طويلة حافلة بالتحولات السياسية والأدبية، وتزوج رسميا مرة واحدة من إيكاترينا فولجينا وأنجب منها مكسيم وكاتيا التي توفيت صغيرة.
ارتبط جوركي لاحقا بعلاقات غير رسمية مع الممثلة ماريا أندرييفا والبارونة ماريا بودبيرج. حظيت البارونة بودبيرج بمكانة بارزة في حياته، وقد اشتهرت البارونة بتأثيرها الواسع في الشخصيات القيادية والأدبية في عصرها، وشملت دائرة معارفها شخصيات مثل ستالين، والكاتب إتش جي ويلز، وضابط المخابرات البريطاني بروس لوكهارت.

شكلت البارونة ماريا بودبرج، المعروفة بـ "مورا"، محورا رئيسيا في حياة مكسيم جوركي منذ عام 1919، حيث ألهمته إبداعيا لدرجة إهدائها روايته الأخيرة "حياة كليم سامجين". ولم تقتصر مكانة مورا على كونها الحب الكبير في حياة الكاتب، بل امتدت لتشمل إدارة كامل مراسلاته وشؤونه الإبداعية والمالية والمنزلية، فضلا عن تأثيرها في توجيه آرائه السياسية التي كان يستمع إليها بعناية. في المقابل، استغل ستالين هذا القرب المنهجي؛ فوظّف سحر مورا النادر وقدرتها على توجيه جوركي لضمان صياغة كتاباته ومواقفه بالشكل الذي يخدم السلطة السوفيتية، محيطا الكاتب برعاية ظاهرية وبأشخاص يوجهون خطاه بدقة، وكانت مورا حجر الزاوية في هذه السياسة.
وقد وصفت الكاتبة نينا بيربيروفا البارونة ماريا بودبيرج بأنها عميلة لجميع مخابرات أوروبا، لكن ذلك يفتقر الأدلة القابلة للتحقق. ومن السخف الادعاء بأن بودبيرج كانت جاسوسة تقليدية ترفع تقارير سرية بمقابل مالي لجهاز الأمن السوفيتي في "اللوبيانكا". في جوهر الأمر، لم تكن مجرد مخبرة، بل أدت دورا محوريا أعمق وأكثر تعقيدا يُصنف في المصطلحات السياسية الحديثة كـ "عميل نفوذ" يوجه القناعات والقرارات.
كما يروج بعض الباحثين المعاصرين لقصص خيالية تفتقر الدلائل حول تورط ماريا بودبيرج في قتل مكسيم جوركي عبر حلوى أو حبوب مسمومة بأمر من ستالين. وتفند الحقائق الطبية هذه المزاعم؛ فقد كان جوركي مريضا بشدة ويدخن 75 سيجارة يوميا، وأكد الأكاديمي يفجيني تشازوف بعد فحص تاريخه الطبي أن حالته عام 1936 كانت تؤدي إلى الوفاة حتما. كما أن تدهور صحته ارتبط بعودته إلى روسيا وإصابته بالتهاب رئوي حاد، ولو أراد ستالين تصفيته لاختار طريقة أقل غرابة، ولما سمح لبودبيرج بمغادرة البلاد بسلام بعدها.
تكمن الخدمة الحقيقية التي قدمتها مورا لستالين في السيطرة على أرشيف جوركي السري؛ إذ تركت في الخارج صناديق رسائل تضم وثائق ومراسلات بالغة الأهمية من معارضي ستالين مثل بياتاكوف وريكوف وكراسين، والذين طالبوا فيها جوركي برفع صوته ضد الطغيان، مما جعل هذا الأرشيف خطرا محدقا بخصوم السلطة السوفيتية.
أدرك جوركي خطورة أرشيفه ولم يرغب في نقله لروسيا، لكن ماريا بودبيرج سلمته لموسكو في تفاصيل لا تزال غامضة. بعد رحيل جوركي، عاشت مورا في لندن، حيث ربطتها علاقة عميقة بالكاتب إتش. جي. ويلز الذي عبّر عن حبه الشديد لها ولوجودها في حياته. في عام 1974، وقبل وفاتها بوقت قصير، احترقت عربة سكن متنقلة في لندن كانت تضم أرشيفها الشخصي المليء بالأسرار التي سعت أجهزة الاستخبارات خلفها، ويُعتقد أنها هي من أمرت بإحراقه. وصفتها صحيفة "التايمز" في نعيها بأنها "الزعيمة الفكرية لإنكلترا الحديثة"، حيث بقيت في قلب الحياة الثقافية والأرستقراطية لسنوات طويلة، متجاوزة في عمرها جميع الشخصيات البارزة التي عاصرتها وارتبطت بها
واليوم، بعد تسعين عاما على رحيل مكسيم جوركي، يبقى السؤال قائما: هل كان الكاتب حليفا للسلطة أم أسيرا لها؟ ربما تكمن الإجابة في أنه لم يكن هذا ولا ذاك، بل أديبا حاول أن يحافظ على استقلاله في زمن لم يكن يسمح بكثير من الاستقلال.
المصدر: روسيسكايا جازيتا
