الحوار الجنوبي - الجنوبي: إدارة الاختلاف لا البحث عن وهم التوافق.
لم يعد الحديث عن "الحوار الجنوبي–الجنوبي" ترفًا سياسيًا، بل ضرورة فرضها واقع التباينات العميقة في الرؤى والمشاريع المطروحة لحل قضية الجنوب. هذه التباينات ليست وليدة اللحظة، ولا هي قابلة للذوبان في رؤية واحدة جامعة، كما يتمنى البعض، بل تعكس اختلافًا حقيقيًا في قراءة التاريخ، وتحديد الأولويات، وتصور المستقبل.
من هنا، فإن أي مقاربة واقعية للحوار يجب أن تنطلق من مسلّمة أساسية: لسنا أمام مهمة إنتاج حل واحد، بقدر ما نحن أمام مهمة أكثر تعقيدًا، تتمثل في إدارة هذا الاختلاف بشكل مسؤول، واستخلاص حد أدنى من التفاهمات التي يمكن البناء عليها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن خيارات القوة لم تُنتج سوى مزيد من الانقسام والتشظي، الأمر الذي يجعل من التمسك بالحلول السلمية خيارًا لا بديل عنه، ليس من باب المثالية، بل من منطلق الضرورة السياسية والواقعية. غير أن هذا التمسك يحتاج إلى ما هو أبعد من الشعارات، إلى ضمانات حقيقية تحول دون إعادة إنتاج العنف في أي مرحلة قادمة.
وفي سياق متصل، لا يمكن التعامل مع قضية الجنوب بمعزل كامل عن السياق اليمني العام، خاصة في ظل استمرار الانقلاب الحوثي وتعثر استعادة الدولة. فهناك ترابط موضوعي بين المسارين، حتى وإن اختلفت المواقف السياسية تجاه هذا الترابط، وهو ما يفرض مقاربة مرنة تدرك تعقيدات المشهد ولا تنكرها.
كما أن الحديث عن أي تسوية جادة يمر حتمًا عبر مرحلة انتقالية، تكون مهمتها إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية. غير أن هذه المرحلة يجب أن تكون واضحة المعالم، محددة الزمن، وخاضعة لإطار شرعي متفق عليه، حتى لا تتحول إلى حالة دائمة تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.
ويبقى العامل الحاسم، والذي غالبًا ما يتم القفز عليه، هو دور أبناء الجنوب أنفسهم. إذ لا يمكن لأي نخبة، مهما ادعت تمثيلها، أن تحتكر القرار أو تتحدث نيابة عن الناس إلى ما لا نهاية. الطريق الأكثر عدالة واستدامة يمر عبر تمكين المواطنين من التعبير عن إرادتهم الحرة، من خلال استفتاء شعبي نزيه، يُجرى في بيئة آمنة، وبرعاية إقليمية وأممية تضمن نزاهته وشفافيته.
إن الاستمرار في إدارة القضية بعقلية الوصاية لن يؤدي إلا إلى ترحيل الأزمات، وربما مضاعفتها. وما يبدو ممكنًا اليوم، قد يصبح أكثر تعقيدًا أو حتى مستحيلًا في الغد.
الحوار، إذًا، ليس ساحة لحسم نهائي، بل فرصة لفتح مسار واقعي، يقوم على التدرج، ويعترف بالتعدد، ويعيد القرار إلى أصحابه الحقيقيين. وما دون ذلك، لن يكون سوى إعادة تدوير للأزمة بأدوات جديدة.