منذ أن وعينا على هذه الأرض، كان للمعرفة مكانها، وللكلمة وزنها، وللاختلاف أخلاقه. كنا نقرأ لكبار المفكرين والكتاب، نختلف معهم فكريا، ونناقش أفكارهم، وربما نختلف معهم جذريا، لكننا لم نكن بحاجة إلى شتمهم حتى نثبت أننا على حق.

كان العلم يرفع صاحبه، وكان الكتاب أكثر شهرة من صاحبه، وكانت قيمة الإنسان فيما يقول ويقدم، لا في مقدار الضجيج الذي يستطيع أن يصنعه حول نفسه.

أما اليوم، فقد دخلنا عصر "المشهور بلا إنجاز"، وأصبح لبعض المنصات معيار غريب للنجومية: كلما ارتفع الصوت، قل عمق الفكرة؛ وكلما زادت الشتائم، زادت المشاهدات؛ وكلما كان الكلام أكثر سطحية واستفزازا، قيل لصاحبه: أنت مؤثر!

ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أن الجهل لم يعد يخجل من نفسه. بل خرج إلينا واثق الخطوة، يحمل هاتفه في يد، وثقة لا نعرف من أين جاءت في اليد الأخرى، ثم بدأ يحاضر على الدكتور، ويناقش الباحث، ويصحح للمثقف، ويمنح شهادات الوطنية لمن يشاء، ويسحبها ممن يشاء.

المشكلة ليست أن الجاهل يتحدث؛ فمن حق الجميع أن يتحدثوا. المشكلة حين يتحول الكلام إلى سلطة، ويصبح عدد المتابعين بديلا عن المعرفة، والانتشار بديلا عن الحقيقة، والقدرة على التهريج بديلا عن القدرة على التفكير.

لقد أصبحت بعض المنصات تشبه سوقا عجيبا؛ قد تجد فيها بضاعة فكرية ثمينة، لكنك تحتاج إلى قليل من الصبر حتى تصل إليها، بينما تجد بائع الضجيج واقفا عند المدخل يصرخ بأعلى صوته: "تعالوا، لدي الحقيقة كاملة!"

والطريف أن بعض هؤلاء لا يقرأون كتابا، لكنهم يختصرون لك تاريخ الفكر الإنساني في دقيقة. لا يعرفون الفرق بين المعلومة والرأي، لكنهم يصدرون الأحكام على العلماء. لا يملكون تجربة تذكر، لكنهم يوزعون النصائح على أصحاب التجارب.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في الخطأ نفسه فنحتقر الناس بسبب جهلهم. المعرفة لا تنتصر بإهانة الجاهل، وإنما بإعلاء قيمة العلم، وتعظيم السؤال، واحترام العقل، وتشجيع الإنسان على أن يتعلم.

نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمفكر والباحث والمعلم والكاتب والمثقف. بحاجة إلى أن نقول لشبابنا إن النجاح ليس أن تصبح مشهورا، بل أن تصبح نافعا؛ وإن قوة الإنسان ليست في قدرته على إسكات الآخرين، بل في قدرته على إقناعهم؛ وإن الاختلاف ليس معركة، وإن النقد ليس شتيمة، وإن الوطنية ليست شعارا يرفع في وجه الخصوم.

لقد أعطت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع منبرا، وهذه في حد ذاتها فرصة عظيمة. لكنها لم تمنح الجميع المعرفة، ولم تجعل عدد الإعجابات دليلا على صحة الفكرة.

ولذلك، لا نخشى من الجهل حين يكون صامتا، بل نخشى عليه حين يكتشف الميكروفون.

أما المعرفة، فقد تتأخر في الوصول، وقد لا تملك أعلى صوت، لكنها في النهاية تملك ما لا يملكه الضجيج: الدليل.

وسيظل الفرق بينهما بسيطا وواضحا:
الجهل يريد أن ينتصر عليك، أما المعرفة فتريد أن تقنعك.

ولله في خلقه شؤون.