لا يزال أعضاء وأنصار المجلس الانتقالي (المنحل) يتعاملون مع فكرة الحوار بوصفها امتدادًا لنهجهم الإقصائي، لا باعتبارها أداة وطنية جامعة. فالحوار، وفق تصورهم، يجب أن يُدار بالآلية ذاتها التي صاغوا بها ما سُمّي حوارًا مع بعض القوى الجنوبية، حيث كانوا الخصم والحَكَم، والرؤية والنتيجة سلفًا.

هذا الفهم المختزل للحوار يعكس اعتقادًا راسخًا لديهم بأنهم لجنة الحوار الوحيدة، وأن ما عدا رؤيتهم لا يعدو كونه تفاصيل هامشية، على أن ينتهي أي نقاش — مهما تعددت أطرافه أو تغيرت ظروفه — بتأييد مشروعهم السياسي.

واليوم، يعاد إنتاج الخطاب نفسه، بذات اللغة والمفردات، في تجاهلٍ لافت لما شهدته الساحة الجنوبية من تحولات عميقة ومتغيرات سياسية لا يمكن القفز عليها. وكأن الزمن توقف عند لحظة بعينها، وكأن الفاعلين الجدد، والتوازنات المختلفة، والوقائع المستجدة، لا وجود لها.

إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يقلب المعادلة رأسًا على عقب؛ فالحل ليس شرطًا مسبقًا للحوار، ولا نتيجة مفروضة عليه، بل هو ثمرة طبيعية لمسار حواري حقيقي، قائم على الندية والاعتراف المتبادل واحترام التعدد. أما الحوار الذي يُراد له أن يكون مجرد بوابة للالتحاق بمشروع جاهز، فليس حوارًا، بل وصاية سياسية مرفوضة.

في هذه المرحلة الدقيقة، لا تحتمل القضية الجنوبية مزيدًا من الخطابات المغلقة، ولا محاولات احتكار التمثيل أو مصادرة المستقبل. ما تحتاجه هو حوار جاد، مفتوح، يعترف بتغير الواقع، ويؤمن بأن الحلول تُصاغ على طاولة النقاش، لا في بيانات مُسبقة الصياغة أو تغريدات عبر وسائل التواصل.