​لم يعد اغتيال الشخصيات التربوية والدعوية في مدينة عدن حدثًا طارئًا يمكن عزله عن سياقه، بل بات جزءًا من نمط مقلق يتكرر منذ سنوات، ويعكس واقعًا أمنيًا هشًا، وبيئةً خصبة للإفلات من العقاب.

ويأتي اغتيال التربوي والقيادي في التجمع اليمني للإصلاح، الأستاذ عبدالرحمن الشاعر، صباح أمس، ليضيف حلقة جديدة إلى هذا المسلسل الدموي الذي بدأ منذ عام 2015، ولا يزال مستمرًا دون توقف.

لم يكن الشاعر مجرد اسم في قائمة مستهدفة، بل كان نموذجًا للمعلم الذي يؤدي دوره في بناء الأجيال، ويشارك في تشكيل الوعي المجتمعي. واستهداف هذه الفئة تحديدًا يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الجهات التي تقف خلف هذه العمليات، والأهداف التي تسعى لتحقيقها. فحين يُستهدف التربوي، فإن الرسالة تتجاوز شخصه إلى ما يمثله من دور ورسالة وتأثير.

لكن قراءة هذا المشهد لم تعد ممكنة بمعزل عن طبيعة المنظومة الأمنية القائمة في المدينة، والتي تشكلت خلال السنوات الماضية على أسس مناطقية، وتدين بالولاء لتيار سياسي واحد. هذا الواقع يضع علامات استفهام جدية حول حيادية هذه الأجهزة، وقدرتها على أداء دورها المفترض في حماية جميع المواطنين دون تمييز، ويجعلها — في نظر كثيرين — جزءًا من الأزمة لا أداة لحلها.

على مدى السنوات الماضية، شهدت عدن سلسلة من عمليات الاغتيال التي طالت دعاة وخطباء وأكاديميين، في ظل ظروف متشابهة، وسيناريوهات متكررة، ونتائج واحدة: غياب الجناة، وانعدام المحاسبة. هذا النمط يعزز الشعور العام بأن هناك من يعمل في الظل، مستفيدًا من حالة الفوضى، ومن ضعف المؤسسات، وربما من طبيعة التكوين غير المتوازن للأجهزة الأمنية ذاتها.

الأخطر من الجريمة ذاتها هو ما يليها: صمت، أو بيانات إدانة لا تتجاوز حدود الكلمات، دون أن تترجم إلى إجراءات حقيقية أو تحقيقات شفافة تقود إلى العدالة. ومع كل حادثة جديدة، تتآكل ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم، ويترسخ شعور مرير لدى أسر الضحايا بأن العدالة بعيدة المنال.

إن استمرار هذه الجرائم دون محاسبة لا يهدد فقط الأفراد المستهدفين، بل يضرب في عمق فكرة الدولة نفسها، ويقوّض أسس الأمن والاستقرار.

فالمجتمع الذي يُترك فيه القتلة أحرارًا، هو مجتمع مهدد بفقدان توازنه، حيث يسود الخوف، وتتراجع القيم، وتُفتح الأبواب أمام مزيد من العنف.

ما تحتاجه عدن اليوم ليس فقط بيانات إدانة، بل خطوات جادة تبدأ بتحقيقات مستقلة وشفافة، ومساءلة حقيقية لكل من يثبت تورطه، وصولًا إلى إعادة بناء منظومة أمنية مهنية على أسس وطنية بعيدة عن الولاءات الضيقة، قادرة على حماية الجميع دون استثناء.

اغتيال عبدالرحمن الشاعر ليس حادثة عابرة، بل مؤشر جديد على أزمة عميقة لم تُعالج بعد. وبينما تُطوى صفحة الضحية، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يستمر هذا المسلسل، ومن يملك القدرة — أو الإرادة — على إيقافه؟ وهل يمكن الحديث عن أمن واستقرار حقيقيين، في مدينة تُدار فيها القوة بمعايير الانتماء، لا بمعايير القانون؟