لعل اهم ما يحدث اليوم في اليمن أن القوات المسلحة تخوض مواجهة مختلفة مع جماعة الحوثي؛ مواجهة لم تعد فيها القوات الحكومية تكتفي بالدفاع وانتظار الهجمات، وإنما بدأت تلاحق مصادر التهديد وتوجه ضرباتها الى مواقع الجماعة وتعزيزاتها. ويأتي ذلك متزامناً مع توجيه مجلس الدفاع الوطني بتوسيع عمليات الردع ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق العسكري، بما يعكس تحولاً يستحق التوقف امامه.

إن اعلان القوات المسلحة تنفيذ 81 عملية خلال ال24 ساعة الماضية، باستخدام الراجمات والمدفعية والطيران المسير، يمثل مؤشراً على تغير قواعد الاشتباك. فبعد سنوات سعت خلالها جماعة الحوثي الى فرض معادلة تهاجم فيها متى تشاء وتحدد توقيت المواجهة، تبدو الصورة اليوم مختلفة؛ إذ بات الجيش يرد على الهجمات، ويتحرك لاستهداف مصادر الخطر، ويمنع الجماعة من احتكار المبادرة في الميدان.

لا شك أن هذا التطور في الموقف العسكري يجعلنا اكثر اعتزازاً بقواتنا المسلحة، واكثر حاجة الى دعمها ومساندتها؛ فالجيش الذي ظل لسنوات في موقع الدفاع يتحول الى قوة ردع ومبادرة. وهذه ليست مسألة عسكرية فحسب، بل تحول في مسار المعركة يخدم الهدف السياسي والاستراتيجي للشرعية وهو إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.

وعلى الرغم من مساعي جماعة الحوثي للتقليل من اثر الضربات والتغطية على حجم خسائرها من خلال خطاب اعلامي ينكر ما يحدث على الأرض، فإن الوقائع تبدو اكثر وضوحاً؛ فتشييع قتلاها، والحديث المتكرر عن استهداف مواقعها ومحاولات التصدي للطائرات المسيرة، كلها تؤكد أن المواجهات تترك اثراً مباشراً في قدراتها. ومع اتساع نطاق الضربات النوعية، يصبح من الصعب على الجماعة أن تحجب حقيقة الخسائر عن اتباعها واسر قتلاها.

وبعيداً عن هذه اعلامهم الكاذب، تبقى الحقيقة على أرض الواقع اكثر قوة؛ فما تنشره قواتنا المسلحة من مشاهد للعمليات والضربات النوعية ليس سوى جزء من صورة اوسع تكشف حجم التضليل الذي تمارسه المليشيات على اتباعها، وتؤكد أن ما يجري في الميدان ابعد بكثير مما تحاول اخفاءه.

ولذلك، لا ينبغي أن تبقى ضربات الردع مجرد جولة عسكرية، بل يجب البناء عليها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة، تبدأ بتوحيد القرار العسكري، ورفع جاهزية القوات المسلحة، وتطوير قدراتها، وانتظام صرف مرتبات العسكريين، وتنسيق القوى الوطنية تحت قيادة الدولة، وعدم السماح لجماعة الحوثي باستعادة زمام المبادرة او العودة إلى معادلة الهجوم دون أن يدفع ثمناً.
إننا نخوض معركة حاسمة، ودعم القوات المسلحة ليس انحيازاً للحرب من اجل الحرب، وإنما انحياز للدولة في مواجهة جماعة اختارت السلاح لفرض مشروعها على اليمنيين. وما نحتاجه اليوم هو أن يتحول التفوق الميداني الى مسار سياسي واضح يقود الى انهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وصولاً الى سلام مستدام لا يُفرض من موقع الضعف، وإنما يُبنى على قوة الدولة وقدرتها على حماية سيادتها ومواطنيها.

فإذا كانت المعركة الحالية قد حملت الى الحوثي رسالة الردع، فإن الرسالة الاهم لكل يمني هي أن استعادة الدولة باتتقرب من أي وقت مضى، وأن الجيش اليمني قادر على أن يكتب في الميدان بداية النهاية للانقلاب.