في خطوة لافتة وفي توقيت حرج، أصدر وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء الركن سالم السقطري القرارين الوزاريين رقم 16 و 17 لسنة 2026م، بإغلاق موسم اصطياد الحبار، وإيقاف اصطياد الشروخ الصخري لمدة عام كامل ابتداءً من سبتمبر 2026م في المياه البحرية وسواحل الجمهورية اليمنية.

ولا يمكن قراءة هذا القرار كإجراء روتيني أو إداري عابر، فهو في جوهره اعتراف رسمي بأن "الاستنزاف" لم يعد تهديداً نظرياً يلوح في الأفق، بل أصبح واقعاً بيولوجياً وإحصائياً موثقاً في سواحلنا، خصوصاً في محافظتي حضرموت والمهرة. وهو في الوقت نفسه اختبار عملي لمدى قدرة الدولة على إدارة مورد حيوي وسيادي في زمن الحرب والظروف الاستثنائية.

تكمن أهمية القرارين في أنهما لم يأتيا من فراغ، بل استندا بشكل مباشر إلى بيانات وتقارير علمية. فقد بنت الوزارة قرارها على التقرير العلمي المرفوع من هيئة أبحاث علوم البحار - حضرموت، وعلى التوصية المرفوعة من رئيس الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء المائية، إضافة إلى الرفع المقدم من وكيل الوزارة لقطاع خدمات الإنتاج والتسويق السمكي بتاريخ.

هذا التحول يعني أن الوزارة بدأت تنتقل من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى مرحلة "الإدارة بالبيانات". فإيقاف الشروخ الصخري لمدة عام ليس عقاباً للصياد ولا تعطيلاً للنشاط، بل هو "فترة راحة بيولوجية" ممنهجة للمخزون تهدف إلى إعادة التوازن له وتمكينه من الوصول إلى الحجم المسموح للاصطياد.

والهدف من ذلك تمكين الجهات العلمية من النزول الميداني خلال فترة التوقيف، وسحب عينات التحليل البيولوجي، وجمع البيانات الإحصائية، وبناء قاعدة بيانات محدثة تسمح بتقييم دقيق لحالة المخزون قبل تحديد مواسم الاصطياد القادمة.

وبالمثل، فإن إلزام صيادي الحبار برفع معداتهم مؤخرآ قبل نفاذ القرار، وحصر الكميات المخزنة في المعامل والثلاجات خلال أسبوع، هي آليات رقابية واضحة لمنع الصيد الجائر في اللحظات الأخيرة وتفريغ المخزون قبل الإغلاق.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن القرار يحمل رسائل مهمة. فالشروخ الصخري والحبار من الأصناف ذات القيمة التصديرية العالية، والسماح باستنزافها اليوم يعني عملياً قتل "الدجاجة التي تبيض ذهباً". من خلال هذا الإيقاف المؤقت، ترسل الوزارة إشارة للسوق المحلي بأن الارتفاع المؤقت في الأسعار هو ثمن لحماية العرض المستقبلي وضمان استقراره لسنوات قادمة.

كما أنها تخاطب المصدرين والشركات والمنشآت السمكية بأن مرحلة العبث بالمخزون قد انتهت، وأن عملية الحصر الإلزامي ستضبط الكميات وتمنع التخزين الاحتكاري.

وفي بعد أوسع، يمثل القرار رسالة للمجتمع الدولي بأن اليمن ورغم ظروف الحرب لا تزال قادرة على الالتزام بمعايير الإدارة المستدامة للثروات البحرية والحفاظ على مواردها للأجيال القادمة.

أما على المستوى السيادي والتنظيمي، فإن استناد القرار إلى القرار الجمهوري رقم 147 لسنة 1995م، والقانون رقم 2 لسنة 2006م بشأن تنظيم صيد واستغلال الأحياء المائية، وقرار مجلس الوزراء رقم 366 لسنة 2012م، هو تأكيد على أن الوزارة تعمل ضمن إطار مؤسسي وقانوني وليس وفق اجتهادات فردية.

وتكليف الهيئات العامة للمصائد السمكية وأجهزة الرقابة والتفتيش البحري بمراقبة تنفيذ القرار وربط المخالفة بالعقوبات المنصوص عليها في القانون، يضع الكرة في ملعب أجهزة الدولة.

فالقرار بدون رقابة حقيقية على الأرض سيبقى حبراً على ورق. وهنا يختبر الوزير السقطري قدرة مؤسساته على بسط نفوذ الدولة في المياه الإقليمية وحماية الثروة من الصيد العشوائي ومن عصابات التهريب التي تنشط في ظل ضعف الرقابة.

لكن يبقى التحدي الأكبر في البعد الاجتماعي. فإيقاف عام كامل لاصطياد الشروخ الصخري يعني توقف مصدر رزق مباشر لآلاف الأسر التي تعتمد عليه في حضرموت والمهرة. 

وإدراكاً من الوزارة لهذه النقطة، فقد أجازت الاصطياد لأغراض البحث العلمي بترخيص، وهو باب يجب أن يتبعه خطوات عملية عاجلة. أولها وضع برنامج تعويضات أو بدائل معيشية مؤقتة للمتضررين خلال فترة الإيقاف، وثانيها إشراك جمعيات الصيادين أنفسهم في المسوحات الميدانية وتحويلهم من "مخالف محتمل" إلى "شريك أساسي في الحماية". 

فبدون هذه الموازنة بين الحماية البيئية والمعيشة الإنسانية، قد يتحول القرار من مشروع وطني للحفاظ على الثروة إلى أزمة اجتماعية.

في المحصلة، يمكن اعتبار قرار الوزير السقطري "نموذج عدن" في إدارة الموارد. هو يقول بوضوح: نعم يمكننا أن نحمي ونخطط ونبني قاعدة بيانات ونطبق القانون حتى ونحن في قلب الحرب. 

والنجاح الحقيقي لهذا القرار لن يقاس بتوقيعه في سبتمبر 2026م، بل بنتائجه بعد عام. هل تحسن مؤشر مخزون الشروخ الصخري؟ هل التزمت أجهزة الرقابة بتطبيق العقوبات؟ وهل خرج الصياد من فترة الإيقاف بأقل الخسائر الممكنة؟ 

إذا أجابت الوزارة على هذه الأسئلة بنعم، فإن هذا القرار سيكون بمثابة اعتراف عالمي آخر باليمن، لكن هذه المرة ليس بتكريم امرأة ملهمة، بل باعتراف بقدرة اليمنيين على حماية أرضهم وبحرهم وإدارة مواردهم بعقل علمي ومسؤولية وطنية. 

فالاستدامة كما قلنا هي إلزام وطني، والاعتراف بها يبدأ بقرار.