تهديد الحوثيين للملاحة السعودية يفتح جبهة في البحر الأحمر.. بين التصعيد العسكري ورهان المفاوضات
صوت عدن / لندن- “القدس العربي”:
هدد الحوثيون يوم الاثنين بفرض حصار بحري على الموانئ السعودية وذلك تحت مبرر الرد بالمثل على ما يعتبرونه حصارا مفروضا على اليمن. ويزيد هذا القرار من تعقيد الوضع العسكري المتوتر في المنطقة ، كما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا التهديد على التأثير في صادرات وواردات السعودية وما قد تقدمه الدول الغربية من دعم عسكري للرياض في هذا السياق.
وقدم الحوثيون مبرراتهم التي يعتبرونها كافية لتنفيذ ما أطلقوا عليه “الحصار مقابل الحصار” ضد السعودية، حيث أكدوا في بيان لهم أن إجراءاتهم تأتي ردا على ما وصفوه بالإجراءات المفروضة على اليمن. وهذا القرار يجعل البحر الأحمر جبهة جديدة للصراع في حالة تنفيذ الحوثيين تهديدهم. وقد سارعت عدد من الدول العربية وفي العالم إلى التنديد بهذا القرار الخطير.
تمتلك السعودية واجهتين بحريتين طويلتين : الأولى شرقية مطلة على الخليج العربي وتمتد لنحو 1200 كيلومتر ، والثانية غربية تطل على البحر الأحمر وتمتد لنحو 2600 كيلومتر.
وميدانيا يبدو أن الواجهة البحرية الشرقية ليست الخيار الأكثر واقعية أمام الحوثيين بسبب البعد الجغرافي، فضلا عن أن منطقة الخليج العربي تشهد توترا غير مسبوق في ظل الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران وتهديدات طهران بشأن التحكم في مضيق هرمز الأمر الذي انعكس على حركة صادرات الطاقة في المنطقة.
وبالتالي يبقى الخيار الأكثر واقعية أمام الحوثيين هو تهديد الملاحة في الواجهة الغربية للسعودية على البحر الأحمر. وتضم هذه الواجهة عددا من الموانئ الحيوية أبرزها ميناء جدة الإسلامي الذي يستقبل نسبة كبيرة من واردات المملكة ويعد بوابتها البحرية التجارية الرئيسية. كما يوجد ميناء الملك عبد الله، أحد أحدث الموانئ في المنطقة ويعتمد تقنيات تشغيل متطورة إضافة إلى ميناء ينبع التجاري وميناء الملك فهد الصناعي المتخصص في تصدير النفط والبتروكيماويات والمنتجات الصناعية. ويلعب ميناء جازان دورا مهما في حركة الملاحة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا بينما يساهم ميناء ضباء في التجارة البحرية مع مصر وشرق المتوسط.
ميدانيا، يمتلك الحوثيون قدرات عسكرية تجعل تهديد الملاحة في الساحل الغربي السعودي احتمالا قائما، وذلك استنادا إلى عدة عوامل:
أولا، سبق للحوثيين أن هددوا الملاحة في باب المندب خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى اضطراب كبير في حركة الشحن العالمية ودفع عددا من شركات النقل البحري إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح في أكبر تحول تشهده الملاحة الدولية منذ أزمة إغلاق قناة السويس عام 1967.
ثانيا، يمتلك الحوثيون ترسانة متنوعة تشمل زوارق سريعة، وطائرات مسيرة، وصواريخ بعيدة المدى مضادة للسفن، وهي القدرات التي استخدموها في استهداف سفن بالبحر الأحمر، كما تمكنوا من الوصول بطائراتهم وصواريخهم إلى أهداف داخل إسرائيل.
ثالثا، دفع تهديد الحوثيين بوقف الملاحة في البحر الأحمر الولايات المتحدة وحلفائها إلى إطلاق عمليات بحرية لحماية السفن. فقد أطلقت واشنطن عملية “حارس الازدهار” في ديسمبر 2023 بمشاركة دول غربية وعربية، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي عملية “أسبيدس” في فبراير 2024 بقيادة أوروبية. ورغم هذه العمليات، لم تتمكن من إنهاء تهديد الحوثيين بشكل كامل، خصوصًا مع استمرار الهجمات على السفن وإسقاط عدد من الطائرات المسيرة الأمريكية من طراز MQ-9. وقد اعترف مسؤولون في البحرية الأمريكية سنة 2024 بأن المواجهة مع الحوثيين في البحر الأحمر كانت من أكثر المعارك البحرية كثافة التي خاضتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، بسبب استمرار الهجمات الصاروخية والمسيرات ضد السفن الأمريكية والتجارية.
رابعا، وهو العامل الأكثر أهمية أن تهديد الملاحة لا يتطلب بالضرورة امتلاك القدرة على إغلاق البحر بالكامل. ففي كثير من الأحيان، يكفي استهداف سفينة واحدة أو إحداث خطر حقيقي على سفينة واحدة حتى تعيد شركات الشحن والتأمين حساباتها، كما حدث في البحر الأحمر، عندما دفعت المخاطر الأمنية عددًا من الشركات إلى تغيير مساراتها.
ومن دون شك، في حال تطور هذا التهديد إلى مواجهة مفتوحة، ستسعى أطراف إقليمية ودولية إلى لعب دور الوساطة بين السعودية والحوثيين لتجنب تصعيد عسكري جديد. فالرياض تدرك صعوبة احتواء الحوثيين عسكريًا، خاصة بعد أن واجهت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بدورهما صعوبات في إنهاء تهديداتهم للملاحة في البحر الأحمر.
