حين يتسامح أصحاب الألم.. ويبقى الآخرون أسرى للماضي
عودة الزميل والتربوي والبرلماني إنصاف مايو إلى عدن، مدينته، ليست مجرد عودة شخص إلى مدينته، بل يمكن أن نقرأها كإشارة طيبة إلى أن عدن بدأت تستعيد شيئا من عافيتها، وأن أبوابها ينبغي أن تظل مفتوحة أمام جميع أبنائها، مهما اختلفت مواقفهم وتجاربهم.
وتعيدنا هذه العودة إلى صفحات مؤلمة من تاريخ عدن، حين تعرض عدد كبير من أبنائها للتهجير بعد أحداث 1967، فتوزعوا بين تعز والحديدة وصنعاء ومناطق أخرى، وغادر بعضهم اليمن إلى بلدان مختلفة.
وعندما جاءت الوحدة اليمنية، عاد كثير منهم إلى عدن. والتقينا عددا منهم في ملتقيات ومجالس عدنية، واستمعنا إلى قصصهم وما حملوه من ألم ومرارة الغربة. لكن المفارقة التي ظلت عالقة في ذاكرتي أن كثيرا من هؤلاء الذين عاشوا الألم الحقيقي كانوا الأكثر قدرة على التسامح.
كانوا يقولون، بصورة أو بأخرى: لقد عشنا ما يكفي من الألم، ولا نريد أن نورثه لأبنائنا.
عادوا إلى مدينتهم لا ليصفوا حساباتهم مع الماضي، بل ليبدأوا حياة جديدة على أرضهم. كانت العودة بالنسبة إليهم استعادة للحياة قبل أن تكون استعادة للمكان.
في المقابل، ظل بعض الذين لم يعيشوا تلك التجربة أسرى لها، يعيدون إنتاجها في الخطاب السياسي، ويستحضرون جراحها كلما أرادوا صناعة خصومة جديدة. وهنا تكمن المفارقة: أحيانا يكون الضحية أكثر تسامحا من الذين يتحدثون باسمه.
لكن المشكلة لم تتوقف عند الماضي. فما زالت العقلية نفسها تنتج موجات جديدة من النزوح والهجرة؛ عقلية لا تقبل المختلف، ولا ترى في الشراكة إلا تهديدا، وفي السياسة إلا معركة لإقصاء الآخر. ومن لم تستطع تصفيته أو إقصاءه، تدفعه الظروف إلى مغادرة المكان.
وهكذا يتكرر المشهد، لأن النظام لم يتغير بما يكفي، ولأن العقلية التي صنعت الإقصاء ما زالت حاضرة: تخوين، اتهامات، تصنيفات، واستعلاء أخلاقي يجعل طرفا نفسه وطنيا خالصا، ويضع الآخرين في خانة الخيانة أو العمالة أو الإرهاب.
إذا كانت عدن تريد فعلا أن تتعافى، فإن أول ما تحتاجه ليس المزيد من المتاريس السياسية، بل التخلص من هذه العقلية.
عودة أبنائها يجب أن تكون عودة إلى المواطنة لا إلى الاصطفاف، وإلى التعايش لا إلى الثأر، وإلى المستقبل لا إلى إعادة إنتاج الماضي.
لقد آن الأوان أن نترك لأصحاب الألم حقهم في التسامح، وألا نحول جراحهم إلى وقود دائم للصراع. فالوطن لا يبنى بتصفية الحسابات، ولا يستقر بإقصاء المختلف، ولا يمكن أن يكون ملكا لجماعة أو منطقة أو تيار.
عدن التي نريدها هي عدن التي يعود إليها الجميع، ويشعر فيها الجميع أنهم أبناء مدينة واحدة ووطن واحد، لا يحتاج أحد فيها إلى إثبات وطنيته بإدانة الآخر.
عودة إنصاف مايو عودة حميدة، ونتمنى أن تكون عودة كل أبناء عدن بداية لتعاف حقيقي. أما التعافي الكامل، فلن يتحقق إلا عندما نتجاوز عقلية الخصومة والثأر، ونتعلم جميعا أن التسامح ليس تنازلا عن الحقوق، وإنما شرط أساسي لبناء المستقبل.